سيبويه
353
كتاب سيبويه
حدّثنا أبو الخَطّاب أنّه يقال للرجل المداوِمِ على الشئِ لا يفارِقه ولا يُقلِعُ عنه قد أَلَبَّ فلانٌ على كذا وكذا . ويقال قد أَسْعَدَ فلانٌ فلاناً على أمره وساعَدَه فالإِلبابُ والمساعَدةُ دُنُوٌّ ومتابَعةٌ إذا أَلَبَّ على الشئ فهو لا يفارِقُه وإذا أَسعده فقد تابَعَه . فكأَنّه إذا قال الرجلُ للرجل يا فلانُ فقال لَبَّيك وسَعْدَيْك فقد قال له قُرْباً منك ومتابَعةً لك . فهذا تمثيٌل وإن كان لا يُستعمل في الكلام كما كان بَراءةَ الله تمثيلاً لسبحانَ اللهِ ولم يُستعمل . وكذلك إذا قال لَبَّيْك وسَعْدَيْك يعنى بذلك الله عزّ وجلّ فكأَنّه قال أَيْ ربِّ لا أَنْأَى عنك في شئٍ تأمُرني به . فإِذا فعَل ذلك فقد تقَرَّب إلى الله بَهواه وأمَّا قوله وسَعْدَيْك فكأَنّه يقول أنا متابعٌ أمرَك وأوْلياءَك غيرُ مُخالِفٍ . فإِذا فعل ذلك فقد تابَعَ وطاوع وأطاع . وإنّما حملَنا على تفسير لَبَّيْك وسَعْدَيْك لنوضِحَ به وجه نصبِهما لأنَّهما ليسا بمنزلة سَقياً وحَمْداً وما أِشبه هذا . ألا ترى أنك تقول للسائل عن تفسير سَقيًا وحَمْداً إنَّما هو سَقاك اللهُ سَقْيًا وأَحمدُ الله حَمْداً وتقول حَمْداً بدلٌ من أَحمدُ الله وسَقيًا بدلٌ من سَقاك اللهُ . ولا تقدر أن تقولَ أُلِبُّك لَبًّا وأُسْعِدك سَعْداً ولا تقولُ سَعْداً بدلٌ من أُسعِد ولا لَبًّا بدلٌ من أُلِبُّ . فلمّا لم يَكُنْ ذاك فيه التُمس له شئٌ من غير لفظه معناه كبراءةَ اللهِ حين ذكرناها لنبيِّن معنى سُبْحانَ اللهِ . فالتَمستُ ذلك لَلبَّيْك وسَعْدَيْك واللفظ الذي أشتُقّا منه إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحَمْدِ والسَّقْي في فعِلهما ولا يَتصرَّفان تصرُّفَهما .